ابن سبعين
424
رسائل ابن سبعين
--> نوراني على الحقيقة البشرية ، وستر ضيائي على الطور النفساني ، وستر رحماني على الحقيقة القلبية المحمدية ، فإن الحقيقة الخلقية والصفة البشرية لا تطيق قبول تلقي انفهاق الأنوار الضيائية ، وظهور سلطان الأضواء الشمسية ، فضلا عن انفهاق الأنوار الربّانية ، فيسأل الغفر لستر انفهاق النور الإلهي ؛ ليثبت قلبه لقبول ما يرد عليه من أمر ربه ، ولقد كان أحيانا يقول : « يا مثبت القلوب ثبّت قلبي على دينك » . وقيل : « قلب نبيك » . وذلك سؤال اللطف في قبول الوارد عليه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن الغفر من قبيل الستر ، لا مأخوذ من الغفر ، والمغفر هو المتخذ لستر وجوه الإعراب ، وأما كونه نورانيّا فإن حجاب النور ساتر للظلمة ، وحجاب الظلمة ساتر للنور ، فبظهور هذا بطون هذا ، فهو ولوج نور في ظلمة ، وظلمة في نور . قال اللّه : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [ الحج : 61 ] . فبتنزل النور ترى المبصرات المفترقات ، وانفهاقه وظهور سلطانه يبهر الأبصار والبصائر ، فيعود الكون كالعمى لا يشهد فيه شيئا من المخلوقات جملة ولا تفصيلا ، فيراعي صلّى اللّه عليه وسلم من فهم : فقراء إلى اللّه أغنياء باللّه ، أذلة على اللّه ، أعزة على من سوى اللّه ، آخذون من اللّه ، مؤثرون في استغفاره حق اللّه في القيام بأوامره ، وحقه تعالى في القيام بدوام الحضور معه ومشاهدته ، وسماع كلامه ومجالسته ومناجاته ومخاطبته ، فاستغفاره استدراك للتوبة عن ملاحظة السوى ، وسؤال للثبوت في الحضور ، فهو في سؤاله داع ، وفي دعائه مضطر إلى اللّه ، واللّه تبارك وتعالى مجيب دعوة المضطر إذا دعاه ، فأجيبت دعوته صلّى اللّه عليه وسلم ، وظهر أثر الإجابة حيث خوطب في مقام الحضرة الإلهية ، فقيل له : « السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته » . فثبت لرد الجواب عن الخطاب ، وأجاب وأجاب بأفصح الجواب وقال : « السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين » . فشمل أمته في جوابه عن السلام عليه بالسلام عليه وعلى عباد اللّه الصالحين ، وذلك التثبيت في مقام الحضرة الإلهية ، والمخاطبة الربّانية ، وتلك درجة علية ، ورتبة سنية ، لم يبلغها أحد من البرية سواه صلّى اللّه عليه وسلم . وأما استغفاره في كل يوم سبعين مرة فذلك الاستغفار عائد على أمته ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يتعلّق بنيل كرامة من الكرامات الربّانية ، والإفاضات الروحانية ، والمقامات الإحسانية ، والإضاءات النورانية ، أفاضها على ذوي الفقر والمسكنة من أمته السالكين محجته ، الناهجين بسبيل شريعته ، وهم المقتفون آثار أقدامه ، وتنقل خطواته ، المنسوبون إلى إخوته ، الوارثون سني شرف شرعته وعلومه ، وطرق محبته ، المؤثرون ذلك على أهليهم وأنفسهم وأموالهم والناس أجمعين ، رضوان اللّه عليهم أجمعين ، فهم المتحققون بالفقر الميراثي المحمدي الذي افتخر به صلّى اللّه عليه وسلم ، فهم فقراء إلى اللّه ، أغنياء باللّه ، أذلة على اللّه ، أعزة على من سوى اللّه ، آخذون من اللّه ، مؤثرون عباد اللّه بما آتاهم اللّه : فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ